مدونة

مدونة الاختلاف في العلوم الشرعية
Facebook
RSS

أسس الاختلاف للشيخ إسماعيل المجذوب

-
Bougria Mourad

محاضرة للشيخ  إسماعيل المجذوب
الحمد لله رب العالمين، الذي هدانا صراطه المستقيم، ونسأله تمام الهداية، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: (( الدّينُ النّصِيحَةُ، قالوا: لِمَنْ؟ قَالَ: لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامّتِهِمْ )) [ مسلم / 56 ].





وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، القائل في كتابه:  {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } المائدة / 48 .
وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله الذي حدد علاقة المؤمنين فيما بينهم بقوله: (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا 
 اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ )) [ مسلم / 2586 ].
وبعد فهذه كلمات أحاول فيها الاستضاءة بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الاختلاف، أرجو أن تكون معينة لنا أن نكون في هذا الجانب كما يحب ربنا سبحانه وتعالى ويرضى .
:: لا بد من الاختلاف وهو من آيات الله تعالى
لا بد في حياة الإنسان من الاختلاف، لأن الله تعالى لم يخلق الناس متماثلين في كل شيء، بل جعلهم متفاوتين في طبائعهم ومواهبهم، وفي استعداداتهم وميولهم، فلا يوجد تشابه تام بين إنسان وإنسان .
وهذا الاختلاف من آيات الله العظيمة في مخلوقاته، قال تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ }       [ الروم / 22 ] .  
بل إن الفرد الواحد مهما كان عظيماً يختلف حاله ورأيه بين وقت وآخر، وقد يرى في وقت الخير في شيء ثم يرى خيراً منه في وقت آخر، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى الخير في شيء ثم يرى خيراً منه في وقت آخر، فيغير موقفه ويغير عمله، عن أبي موسى الأشعري  قال: (( وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي ))       [ البخاري /2946 ومسلم / 1649] 
وهذا سيدنا داود والد سيدنا سليمان عليهما الصلاة والسلام، وهما نبيان كريمان تعرض عليهما قضية واحدة فيجتهدان في حكمها ويختلف اجتهاد كل منهما عن الآخر، قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ {78} فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } [ الأنبياء ] 
وانظر إلى شَيْخَيْ هذه الأمة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقد حظيا من تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوفر نصيب عندما قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه  بعد غزوة بدر: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟
فقال أبو بكر  : يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم .
وقال عمر  : يا رسول الله أخرجوك وكذبوك قربهم فأضرب أعناقهم .
 قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر وقال ناس: يأخذ بقول عمر .
 فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله لَيُلِيْنُ قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليَشُدُّ قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة .
وإن مَثَلَكَ يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام قال: من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم، و مَثَلَكَ يا أبا بكر كمثل عيسى قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
وإن مَثَلَكَ يا عمر كمثل نوح قال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وإن مَثَلَكَ يا عمر كمثل موسى قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ   .[ مسند الإمام أحمد 1/ 383 ]
     :: ليس الاختلاف شراً، وفي الإسلام فسحة له 
      الاختلاف ظاهرة صحية طبيعية في المجتمعات الراقية، وليس الاختلاف في ذاته شراً،  وقد اختلف الصحابة   في أمور كثيرة من الاجتهادات مع بقاء الأخوة التي يمثلها قوله صلى الله عليه وسلم  ((  مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ )) مسلم
    :: متى يكون الاختلاف الديني شراً
وإذا كان الإسلام يجمع ولا يفرق، بل إن مبادئه وتشريعاته تقتضي أن يعيش المسلمون في مجتمعاتهم مع غير المسلمين من أهل الكتاب، بل مع المجوس عباد النار حياةً تضمن فيها الحقوق وتراعى فيها الحرمات .     
إذا كان الأمر كذلك فلماذا يؤدي الاختلاف باسم هذا الدين الحنيف بين بعض المسلمين إلى التنافر والخصومة؟ بل يؤدي إلى الشحناء والبغضاء؟ .
والجواب إنما يكون الشر عندما يجهل الإنسان شرع الله تعالى في أسس الاختلاف المشروع وآدابه و يبتعد عن توجيهاته، فما هي الأسس والآداب الشرعية   حتى نسلم من شرور الاختلاف .
:: أسس الاختلاف المشروع
الأساس الأول: لا يجوز أن يكون الاختلاف في نصوص القرآن والسنة ولا اجتهاد في موارد النصوص . ( شرح يبين الفرق بين النصوص، والظواهر والمجملات )
      الأساس الثاني: لا تجوز مخالفة الإجماع { ومن يشاقق الرسول....وساءت مصيرا }.
      الأساس الثالث: لايجوز الابتعاد عما كان عليه الخلفاء الراشدون  في سُنَّتِهِمُ العامة  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر حياته مودعاً أصحابه  في ضمن موعظة بليغة وَجِلت منها القلوب، وذرفتْ منها العيون عن العِرباضِ بن ساريةَ  : (( وَإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافاً كَثِيراً، فَعَليْكُم بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْها بالنَّواجِذِ )) [ أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح ].
الأساس الرابع:  لايجوز الابتعاد عما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار  في سُنَّتِهِمُ العامة، قال الله تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ التوبة / 100 ]
الأساس الخامس: أن لا يؤدي الاختلاف إلى التنازع والشحناء والبغضاء، وهذه البغضاء تذهب بدين العبد وتستأصله لا تُبقي منه شيئاً، وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحالقة، وذلك فيما رواه الإمام أحمد والترمذي والبزار، قال الهيثمي: بإسناد جيد، عن الزبيررضي الله عنه  ((  دَبّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدّينَ )) .
الأساس السادس: الحوار الهادئ اللطيف:
فالله سبحانه نهانا أن نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، وهم غير مسلمين فقال: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  } فمحاورة المسلمين أولى بذلك .
والله تعالى أمر موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام بالقول اللين عندما أرسلهما إلى فرعون فقال: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى {43} فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى }
وكذلك كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإليه أرشدت أمته، قال تعالى:  {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }  [آل عمران:159] 
الأساس السابع: تشجيع النقد البناء وعرض الرأي
إن جو الحرية الشرعية؛ هو المكان الذي تزدهر فيه الأفكار الصحيحة، أما حين يكون على الإنسان أن يفكر ألف مرة ومرة قبل أن يقول ما يراه؛ لأنه سوف يواجه تهماً وتشنيعاً وأذى فإن هذا مخالف لما ربَّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه  ، وإن منع الناس من إبداء الرأي من جاهلية فرعون القديمة عندما كان يقول: { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى } [ غافر: 29 ]
الأساس الثامن:  الالتزام بفقه الإنكار
ومن أعظم جوانبه ما يلي
1-  لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي يختلف فيها العلماء فهذه المسائل لا ينكر فيها مجتهد على مجتهد، ويدور أمر المجتهد بين أجر وأجرين .
2- لا ينكر مقلدٌ على مقلد، فإذا كان الإنسان مقلداً لغيره من العلماء أو المذاهب المعتبرة فإنه لا يحق له أن ينكر على مقلد آخر.
الأساس التاسع: لا يجوز الاجتهاد في مسألة إلا لمن تحققت فيه أهلية الاجتهاد،   وباب الاجتهاد لم يغلق، ونُحَذِّرُ من لم تتحقق فيه أهلية الاجتهاد من أن يجتهد ومن أن يتوهم في نفسه أهلية الاجتهاد .

اترك تعليقك