مدونة

مدونة الاختلاف في العلوم الشرعية
Facebook
RSS

أسباب اختلاف الفقهاء / د. محمود بلال مهران

-
Bougria Mourad


أسباب اختلاف الفقهاء
المؤلف / أ. د. محمود بلال مهران 

تعريف :
( أ ) أسباب : جمع سبب والسبب في اللغة معناه الوسيلة وكل ما يتوصل به إلي شئ آخر(1)  والسبب في الأصل معناه : الحبل ، ومن ذلك قوله تعالي : ) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلي السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ( ( 2 )

     ثم أطلق السبب بعد ذلك علي كل شئ يتوصل به إلي أمر من الأمور ( 3 ) ومن ذلك : قوله تعالي عن ذي القرنين : ) إنا مكنا له في الأرض واَتيناه من كل شئ سببا ( ( 4 ) ، أي وسيلة توصله إليه من العلم والقدرة ونحو ذلك 0 والسبب في اصطلاح جمهور الأصوليين والفقهاء : هو الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع مناطا لوجود الحكم ، أي يستلزم وجوده وجود الحكم ( 5 ) وعلي هذا ، فأسباب اختلاف الفقهاء  هي الأمور التي أدت إلي وجود الاختلاف بين الفقهاء ، أي التي يستلزم وجودها وجود الاختلاف 0
( ب ) وأما كلمة (( اختلاف )) فهي مصدر للفعل (( اختلف )) ومعناه : أن يذهب كل شخص أو أشخاص إلي خلاف ما ذهب إليه الآخر أو الآخرون 0 ففي المصباح المنير : تخالف القوم واختلفوا : إذا ذهب إليه الآخر وهو ضد الاتفاق ، والاسم : الخلف ( 6 ) 0
( جـ ) والفقهاء : جمع فقيه ، وهو صار له الفقه سجية وملكة ( 7 ) والفقه في اللغة : هو الفهم والفطنة ( 8 ) وورد في القراَن بمعني الفهم الدقيق ، كما في قوله تعالي : )وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ( ( 9 ) وقد يرد الفقه في اللغة بمعني : فهم غرض المتكلم من كلامه ، تقول : فقهت كلامك أي فهمت الغرض منه ، ويكون ذلك حينما يوجه شخص كلاما لآخر بأسلوب فيه شئ من الخفاء ن لا يريد أن يفهم منه بقية الحاضرين شيئا مما يقصده المتكلم عدا من وجه إليه هذا الكلام 0 يقول ابن القيم :( والفقه أخص من الفهم ، لأن الفقه هو فهم مراد المتكلم من كلامه ، وهذا قدر زائد علي مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم)(10)    
والفقه في اصطلاح الفقهاء وعلماء الأصول : هو العلم بالأحكام الشرعية العلمية المكتسبة من أدلتها التفصيلية ( 11 )  
أسباب اختلاف الفقهاء
الأدلة التي يستند إليها الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية ، إن كانت قطعية الثبوت والدلالة – بأن كل الدليل نصا من قراَن أو سنة متواترة ولم يحتمل إلا معني واحدا ، أو كان الدليل إجماعا تحققت أركانه وشروطه – فإن الحكم المستنبط منها لا يكون فيه مجال للاختلاف بين الفقهاء 0
وأما إن كان الدليل ليس كذلك بأن كان ظنيا في ثبوته أو في دلالته أو فيهما معا – كان يكون سنة غير متواترة ، أو نصا قرآنيا ، أو سنة متواترة واحتمل أكثر من معني – فإن الحكم المستنبط منه يصح أن يكون محلا لاختلاف الفقهاء ومما ينبغي ملاحظته والتنبيه إليه : أن منهج الفقهاء في ترتيب الأدلة عند استنباط الأحكام هو النظر أولا في كتاب الله تعالي ثم من بعده السنة النبوية الصحيحة ، ثم الإجماع متي توفرت أركانه وشروطه 0 وأخيرا الرأي الذي يشمل القياس ، والمصلحة والاستحسان ، وسد الذرائع ، وغير ذلك ، علي خلاف بينهم في الأخذ بأدلة الرأي ما بين موسع ومضيق ، وهو ما سنعرض له عند حديثنا عن أسباب اختلاف الفقهاء بالتفصيل في الصفحات التالية 0
ويمكن حصر أهم أسباب لاختلاف الفقهاء فيما يلي ( 12 )

أولا : اختلاف معاني الفاظ النصوص سواء كانت هذه النصوص قراَنا أم سنة :
فقد يرد اللفظ في النص يفيد أكثر من معني ، فيختلف الحكم المستنبط من النص تبعا ، لما رجحه كل فقيه أو مجتهد من المعاني التي يفيدها اللفظ في النص 0 ومن الأمثلة علي ذلك 0
( أ ) لفظ ( القرء ) في قوله تعالي: ) والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء 00((13)
فهو مشترك في اللغة بين الحيض والطهر ، مما ترتب علي ذلك اختلاف الصحابة والفقهاء فيما تعتد به المطلقة التي تحيض : هل تعتد بثلاثة أطهار – وهي الفترات التي تكون بين كل حيض وآخر – أم تعتد بثلاث حيضات ؟ حيث يقول سبحانه: ) والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء 00( فذهب أبو بكر ، وعمر وعثمان وعلي ، وجمع الصحابة ، وأبو حنيفة ، وأحمد في القول الراجح عنده إلي أن المطلقة التي تحيض إذا كانت غير حامل تعتد بثلاث حيضات ( 14 ) وذهب عبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت والسيدة عائشة وفقهاء المدينة السبعة ( 15 ) ومالك والشافعي وأحمد في قوله الآخر إلي أنها تعتد بثلاثة أطهار ( 16 ) فالفريق الأول يفسر ( القرء ) بالحيض ، والفريق الثاني يفسر ( القرء ) بالطهر ، وذلك لان لفظ ( القرء ) في استعمال العرب مشترك بين الحيض والطهر ، ففسره كل فريق بالمعني الذي ترجع عنده ومن هنا حدث هذا الاختلاف 0ويبدوا أن الراجح ما ذهب إليه الفريق الأول ( 17 ) وهو أن المراد بالقرء في الآية : الحيض ، لقوله تعالي : ) واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن 000 ( ( 18 ) فقد نقل النص الكريم اللائي لا يحضن من النساء لكبر أو صغر إلي الاعتداد بالأشهر ، فدل ذلك علي أن الأصل هو الاعتداد بالحيض ولان المعهود في لسان الشرع استعمال ( القرء ) بمعني الحيض ( 19) ومن ذلك : قوله r لفاطمة بنت أبي حبيش : (( انظري ، فإذا أتي قرؤك فلا تصلي ، وإذا مرَ قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء الي القرء )) ( 20 ) 0
( ب ) لفظ ( الباء ) في قوله تعالي في أية الطهارة من سورة المائدة :  )000 وامسحوا برءوسكم 000( ( 21 ) فإن الباء هنا يحتمل أن تكون مؤكدة زائدة وليست للتبعيض ، ويحتمل أن تكون للتبعيض 0 وتبعا لتفسير الباء والأخذ بأحد الاحتمالين ، اختلف الفقهاء في تحديد القدر الذي يجب مسحه من الرأس في الوضوء 0 فمنهم من ذهب إلي أنه كل الرأس ، ومنهم من ذهب إلي أنه بعض الرأس 0 وممن ذهب إلي أن القدر الذي يجب مسحه هو كل الرأس ولا يجزئ مسح بعضه : الإمام مالك  t وان الباء مؤكدة زائدة والمعني : وامسحوا رؤوسكم 0 وقد سئل الإمام مالك عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء فقال : أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه أكان يجزئه ( 22 ) ؟ وممن ذهب إلي عدم وجوب مسح كل الرأس وإنما يجزئ مسح بعضه : أبو حنيفة ، وأصحابه ، والشافعي ، وأن الباء للتبعيض والمعني : وامسحوا ببعض رؤوسكم ، قالوا : يدل علي أن الباء هنا للتبعيض : أنك إذا قلت : مسحت يدي بالحائط ، كان معقولا مسحها ببعضه دون جميعه ، ولو قلت : مسحت الحائط ، كان المعقول مسح جميعه دون بعضه ، فقد وضح الفرق بين إدخال الباء وبين إسقاطها في العرف واللغة ، فوجب إذا كان ذلك كذلك أن نحمل قوله تعالي : )  000 وامسحوا برءوسكم 000( علي البعض حتي نكون قد وفينا الحرف حظه من الفائدة ، وأن لا نسقطه فتكون – أي الباء – ملغاة يستوي دخولها وعدمها ( 23 )
ثانيا : تفاوت الفقهاء في معرفتهم بالسنة :
فقد يصل الحديث إلي بعض الفقهاء ولا يصل إلي البعض الآخر ، و يصل إلي بعضهم بطريق صحيح ، ويصل إلي البعض الآخر بطريق غير صحيح ، فترتب علي ذلك تفاوتهم في حفظ السنة المروية عن رسول الله r بسبب التأخر في تدوينها ، واختلاف الرواه من حيث توفر شروط الرواية وعدم توفرها 0 وقد أدي ذلك إلي اختلاف الفقهاء في الأحكام المستنبطة تبعا لاختلافهم في معرفة السنة وقبولها 0 فحين كانت تعرض قضية أو حادثة علي فقيه يحفظ فيها سنة عن رسول الله r كان يقضي فيها وفقا للسنة المعروفة له والمقبولة عنده وقد تُعرض نفس القضية والحادثة علي فقيه آخر لم يحفظ فيها سنة صحيحة ، فيحكم فيها بالاجتهاد والرأي فيختلف الحكم في القضية أو الحادثة الواحدة تبعا لاختلاف المصدر أو الدليل الذي اعتمد عليه الفقيه في اجتهاده ومن الأمثلة علي ذلك :
( أ ) المرأة التي يتوفي عنها زوجها قبل أن يدخل بها ، ولم يكن قد فرض لها صداقا ، حيث رأي عبد الله بن مسعود t أنها تستحق مهر مثلها دون نقص أو زيادة ولها ميراث ، وعليها العدة ، وذلك استنادا إلي قضاء النبيr في بَروُعَ بنت واشق الاسلمية ، كما روي معقل بن سنان الاشجعي ( 24 )  وقال علي بن أبي طالب ، وزيد أبن ثابت وابن عباس وابن عمر إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتي مات ، قالوا : لها الميراث ، ولا صداق لها ، وعليها العدة ، وهو ما أخذ به الإمام الشافعي ، وقال لو ثبت حديث بَروُعَ بنت واشق لكانت الحجة فيما روي عن النبي r ويروي عن الشافعي أنه رجع بمصر عن هذا القول ، وقال بحديث بَروُعَ بنت واشق ولم يأخذ ِ
علي
t بحديث معقل بن سنان في المرأة الاسلمية ، لأنه – أي علي كان يتشدد في رواية الحديث وقبوله فعبد الله بن مسعود احتج بخبر الآحاد الذي أيد اجتهاده ، وقد وافق ابن مسعود في ذلك ابن سيرين ، وابن أبي ليلي وأبو حنيفة ، وأصحابه ، وأحمد بن حنبل وأما علي بن أبي طالب ومن وافقه من الصحابة والفقهاء فلم يأخذوا بهذا الخبر ، لأنه لم يصح عندهم ( 25 ) 0
( ب ) المرأة البالغة العاقلة ، بكرا كانت أو ثيبا لا يجوز لها أن تباشر عقد الزواج ، سواء لنفسها أو لغيرها عند الأئمة الثلاثة مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل في المشهور عنه وهو المروي أيضا عن جمهور الصحابة والتابعين ، وذلك استنادا إلي قولهr ((لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها))(26)
وقوله صلوات الله وسلامه عليه (( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها ، فأن اشتجروا فالسلطان ولي من ولا ولي له (27)
وذهب أبو حنيفة ، وزفر ، وأبو يوسف في الرواية الأخيرة عنه إلي أن المرأة البالغة العاقلة بكرا كانت أو ثيبا يجوز لها أن تباشر عقد زواجها بنفسها استقلالا عن وليها استنادا إلي أدلة أخري ، ومنها قوله r  (( الايم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها )) ( 28 ) والايم في الحديث : المرأة التي لا زوج لها وقد دل الحديث علي أنها أحق بنفسها من وليها في مباشرة عقد الزواج 0
وواضح أن الحنفية لم يبلغهم الحديثان اللذان استند إليهما الأئمة الثلاثة ، أو أنهما لم يصحا عندهم مما أدي إلي هذا الخلاف بينهم وبين الأئمة الثلاثة 0
وقد علق الإمام الترمذي علي استدلال الحنفية بالحديث المتقدم بقوله (( وقد احتج بعض الناس في إجازة النكاح بغير ولي بهذا الحديث وليس في هذا الحديث وليس في هذا الحديث ما احتجوا به لأنه قد روي من غير وجه عن ابن عباس عن النبي r  (( لا نكاح إلا بولي )) وهكذا أفتي به ابن عباس بعد النبي r ( الايم أحق بنفسها من وليها )     
عند أكثر أهل العلم : وأن الولي لا يزوجها إلا برضاها وأمرها فإن زوجها بدون رضاها فالنكاح مفسوخ علي حديث خنساء بنت خذام حيث زوجها أبوها وهي ثيب فكرهت ذلك فرد النبيr نكاحه )) ( 29 )


ثالثاً : تردد اللفظ الوارد في النص بين حمله علي الحقيقة أو حمله علي المجاز :
حيث يختلف الحكم المستنبط تبعا لذلك 0 ومن الأمثلة العلمية لهذا السبب من أسباب اختلاف الفقهاء :
اختلافهم – أي الفقهاء – في إيجاب الوضوء من لمس النساء باليد أو بغيرها من الأعضاء الحساسة :
فذهب بعضهم إلي أن لمس امرأة بيده بدون حائل فعليه الوضوء ، وكذلك من قبلها لان القبلة عندهم من قبيل اللمس ، سواء التذ أم لم يلتذ وبهذا قال الإمام الشافعي وأصحابه(30)
وذهب بعض الفقهاء إلي إيجاب الوضوء من اللمس إذا قارنته اللذة أو قصدها سواء وقع اللمس بحائل أو بدونه فيما عدا القبلة فلم يشترطوا فيها اللذة أو قصدها وهذا هو مذهب مالك وجمهور أصحابه 0
وذهب فريق ثالث من الفقهاء إلي عدم إيجاب الوضوء من لمس النساء وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة 0
وسبب اختلافهم في هذه المسألة – وهي إيجاب الوضوء من اللمس – أن اللمس يطلق حقيقة علي اللمس باليد ويطلق مجازا علي الجماع فمن غلب في اللمس الحقيقة ، أي اللمس باليد : أوجب فيه الوضوء 0 ومن غلب فيه المجاز ، أي الجماع : لم يوجب الوضوء في اللمس باليد ، إذ المراد بقوله تعالي في سورة المائدة ) 000 أو لامستم النساء 000( ( 31 ) الجماع وليس مجرد اللمس باليد 0
ويقول ابن رشد معلقا علي اختلاف الفقهاء في هذه المسألة : (( إذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز ، فالأولي أن يحمل علي الحقيقة حتي يدل الدليل علي المجاز ولأولئك – أي القائلون بعدم إيجاب الوضوء من اللمس باليد إن المجاز إذا كثر استعماله كان أدل علي المجاز منه علي الحقيقة كالحال في اسم الغائط – وذلك في قوله تعالي :  ) 000 أو جاء أحد منكم من الغائط 000( ( 32 )   الذي هو أدل علي الحدث الذي هو فيه مجاز – منه علي المنخفض من الأرض الذي هو فيه حقيقة ، والذي أعتقده – والكلام لابن رشد – (( أن اللمس وإن كانت دلالته علي المعنيين بالسواء أو قريبا من السواء ، أنه أظهر عندي في الجماع وإن كان مجازا ، لان الله تبارك وتعالي قد كني بالمباشرة واللمس عن الجماع وهما في معني اللمس ( 33 )

رابعا : التعارض الظاهري بين بعض النصوص واختلافهم في كيفية الترجيح بينهما :
حيث اختلف قواعد الترجيح التي سلكها كل منهم بين النصوص المتعارضة وللفقهاء طرق متنوعة للترجيح بين النصوص المتعارضة في الظاهر ولإزالة هذا التعارض ونذكر فيما يلي أهم هذه الطرق :
( أ ) البحث عن تاريخ ورود النصين : فإذا تبين أن تاريخ ورود أحدهما سابق علي ورود الآخر ، كان المتأخر منهما ناسخا للمتقدم إذا كانا متساويين في القوة كآيتين أو آية وحديث متواتر أو حديثين متواترين أو مشهورين أو من أحاديث الآحاد 0
( ب ) وإن بحث الفقيه عن تاريخ ورود النصين المتعارضين ، فلم يتبين له شئ أو تبين له تاريخ ورود احدهما دون الآخر ، فإنه يبحث عن مرجح لأحدهما علي الآخر ، ومن المرجحات :
1- ترجيح النص الدال بعبارته علي الدال بإشارته والدال بإشارته علي الدال بالدلالة أو الاقتضاء ( 34 ) 0
2- الترجيح بقوة ظهور الدلالة : فيرجح المحكم علي المفسر ، ويرجح المفسر علي النص ويرجح النص علي الظاهر ( 35 ) 0
3- الترجيح بالنظر إلي راوي الحديث فتقدم رواية الفقيه علي من ليس بفقيه وتقدم رواية الحافظ المعروف بين أهل الحديث بالضبط علي من هو في درجة أدني منه 000 وهكذا
4- الترجيح بالنظر إلي الحل والحرمة : فيقدم النص الدال علي التحريم علي الدال علي الإباحة مثال ذلك ما روي (( أن رسول الله r  نهي عن أكل اضب ( 36 )  وروي – ايضا (( أنه r  أباح أكله ( 37 ) فتقدم الرواية المحرمة علي الرواية المبيحة 00 وهكذا في كل نصين من هذا القبيل وذلك لمراعاة للحيطة والحذر لاحتمال أن تكون رواية التحريم هي الأصح 0
( جـ ) وإن بحث المجتهد عن مرجح فلم يجد ، حاول الجمع بين النصين المتعارضين ما أمكن ذلك ومن وسائل الجمع ما يأتي ( 38 ) 0
1- حمل المطلق علي المقيد 0
2- حمل العام علي ما عدا الخاص 0
3- حمل أحد النصين علي حكم الدنيا والآخر علي حكم الآخرة 0
4- حمل أحد النصين علي الحقيقة والآخر علي المجاز 0

خامسا : اختلافهم فيما يتعلق بالنص المطلق ، هل يحمل علي إطلاقه ، أو يقيد بالقيد الوارد في نص آخر :
فمن الفقهاء من حمله علي إطلاقه ، ومنهم من قيده بالقيد الوارد في النص الآخر ومن الأمثلة علي ذلك : تحرير الرقبة في كفارة الظهار وكفارة القتل الخطأ : فقد جاءت مطلقة في كفارة الظهار ، حيث يقول سبحانه : ) 000 والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا 000( ( 39 )   وجاءت مقيدة بالايمان في كفارة القتل الخطأ ، حيث يقول سبحانه : ) 000 ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة 000( ( 40 ) فقد اشترط الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل – في رقبة كفارة الظهار أن تكون مؤمنة ، قياسا علي كفارة القتل الخطأ ، حيث اشترط سبحانه في الرقبة المحررة أن تكون مؤمنة وذهب أبو حنيفة وأصحابه ، والظاهرية إلي عدم اشتراط الإيمان في رقبة كفارة الظهار إذ لو كان الإيمان شرطا فيها لبينة سبحانه كما بيَنه في كفارة القتل ، ولكنه عز وجل أطلق الرقبة ولم يقيدها بالإيمان ، فينبغي الالتزام بما ورد عن الله – عز وجل – فنطلق ما أطلقة ، ونقيد ما قيده 0 فاشتراط الإيمان في كفارة الظهار – كما يقول الحنفية والظاهرية – زيادة علي النص وهو نسخ والقراَن لا ينسخ إلا بالقراَن أو السنة المتواترة ولم يوجد أي منهما ( 41 )  0

سادساً : اختلافهم في دلالة الأمر المطلق ، أي الخالي عن القرائن :
فمن الفقهاء – وهم الجمهور – من ذهب إلي أنه يدل علي الوجوب ولا يُصرف عنه إلا بقرينه ومنهم من ذهب إلي أنه – أي الأمر المطلق – مشترك بين الوجوب ، والندب والإباحة وذهب بعضهم إلي أنه يفيد الندب وذهب آخرون إلي أنه يفيد الإباحة وتبعا لذلك يختلف الحكم المستنبط من نص مشتمل علي أمر مطلق ونذكر فيما يلي بعض الأمثلة علي ذلك :
( أ ) قال تعالي في سورة الطلاق : ) 000 فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم 000( ( 42 ) حيث ذهب بعض الفقهاء إلي وجوب الأشهاد علي الرجعه والطلاق استنادا إلي قوله تعالي : ) 000 وأشهدوا ذوي عدل منكم 000( والأمر هنا للوجوب وذهب فريق آخر إلي أن الإشهاد علي الرجعة والطلاق ليس بواجب ، وإنما هو مندوب من باب التوثق مخافة الجحود والإنكار ، فالأمر بإلاشاهد عند هذا الفريق للندب وليس للوجوب ( 43 ) 0
( ب ) قال تعالي في اية الدين من سورة البقرة :  ) 000 يا أيها الذين اَمنوا إذا تداينتم بدين إلي أجل مسمي فاكتبوه 000 ( ( 44 ) حيث ذهب بعض الفقهاء إلي وجوب كتابة الدين ، سواء كان الدين ناتجا عن بيع أو عن قرض ، مخافة النسيان أو الجحود ، لقوله سبحانه  ) 000  فاكتبوه 000 ( والأمر هنا للوجوب وقال جمهور الفقهاء : إن الأمر هنا ليس للوجوب وإنما هو للندب إلي حفظ الأموال وإزالة الريب وذلك لوجود القرينة الصارفة للأمر من الوجوب إلي الندب وهو قوله تعالي في الآية التالية : ) 000 فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته 000 ( ( 45 ) أي إذا ائتمن بعضكم بعضا فلا بأس ألا تكتبوا الدين وألا تشهدوا عليه ( 46 )

سابعا : اختلافهم في النهي المطلق أي الخالي عن القرائن
فمن الفقهاء – وهم الجمهور – من يذهب إلي أن النهي المجرد عن القرائن يفيد تحريم المنهي عنه ومنهم من يذهب إلي أنه يدل علي كراهة المنهي عنه 0 ومنهم من ذهب إلي أنه مشترك بين التحريك والكراهة ، ودلالته علي أحدهما إنما تكون بالقرينة المصاحبة (47) وتبعا لذلك يختلف الحكم المستنبط من نص مشتمل علي نهي مطلق 0
ومن أمثلة النهي المطلق الدال علي التحريم عند الجمهور : قوله تعالي )  ولا تقربوا الني إنه كان فاحشة وساء سبيلا ( ( 48 ) فإن النهي هنا يدل علي تحريم المنهي عنه ، وهو الاقتراب من الزنا كالخلوة بالمرأة الأجنبية والاختلاط المرذول بين الرجال والنساء وخروج النساء متبرجات كاشفات لعوراتهن ونحو ذلك ، مما يثير الفتنة ويوقظ الشهوة فالزنا نفسه يكون أشد حرمة واَكد 0
ومن أمثلة النهي المطلق – ايضا الدال علي التحريم عند الجمهور : قوله تعالي ) ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق  ( ( 49 ) فإن النهي هنا يدل تحريم المنهي عنه وهو قتل النفس المعصومة وكذلك قوله تعالي : ) ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل00 ( ( 50 )    
فإن النهي يدل كذلك علي تحريم المنهي عنه عند الجمهور وهو أكل مال الغير بدون حق

ثامنا: اختلافهم بسبب أخذ بعضهم بالإرادة الظاهرة للمتعاقد واعتداد بعضهم الآخر بالباعث الدافع إلي التعاقد :
ومن الفريق الأول أبو حنيفة ، والشافعية ، ومن الفريق الثاني المالكية والحنابلة ومن العقود التي اختلف فيها الفقهاء نتيجة لهذا السبب زواج المحلل ( 51 ) وبيع العينة ( 51 ) وبيع العنب لمن يعصره خمرا 0
فأبو حنيفة ، والشافعية ، يذهبون إلي القول بصحة هذه العقود ، عملا بالإرادة الظاهرة للمتعاقد فطالما أن العقد قد استكمل أركانه واستوفي شروطه ، ولم يشتمل علي أمر محرم في الظاهر ، حسب ما تدل عليه عبارة العاقدين ، فالعقد صحيح ، ولا بالقصد المحظور الذي من أجله أقدم المتعاقد علي العقد ، ما دامت العبارة المنشئة للعقد غير مشتملة علي ما يدل عليه أو يكشف عنه ، لان الأحكام الدنيوية تبني علي الظاهر ، فالعقود كلها لا تؤخذ إلا بما تنطق به عباراتها من غير نظر إلي النيات خيرة او غير خيرة ، فإذا كان العقد صحيحا بمقتضي ألفاظه وما اشترط فيه ، وما اقترن به فهو عقد صحيح من كل الوجوه من غير نظر إلي كونه ذريعة إلي الربا أو غير ذلك من المحرمات ما دام العقد لم يقترن بربا ولا بشئ يفسده ( 53 ) وأما المالكية ، والحنابلة ، فيذهبون إلي القول ببطلان هذه العقود وأمثالها ، لأنهم لا يقفون عند صيغة العقد ، ولا يكتفون بما تدل عليه عبارات العاقدين ، بل يعتدون بالباعث الدافع علي التعاقد فإن كان العقد قد قصد به الوصول إلي المحرم وتحقيق أمر لم يشرعه الله تعالي – كما لو كان القصد من الزواج إحلال المطلقة ثلاثا لمطلقها ، والقصد من البيع الوصول إلي الربا ونحو ذلك – فإن هذا العقد يحكم ببطلانه إذا ثبت القصد المحرم وظهر الباعث غير المشروع ، وذلك بواسطة القرائن التي تصاحب التعاقد ، علي أساس أن الإرادة الظاهرة لا تعبر عن الإرادة الباطنة فالإرادة الباطنة هنا لا تصلح لإنشاء العقد لأنها تضمنت قصدا محرما ، وكان الباعث عليها غير مشروع ولو أن هذا القصد قد ظهر في عبارة العاقدين لحكمنا ببطلان العقد ، فكذلك الحال إذا قمنا القرائن المصاحبة للعقد علي وجود هذا القصد غير المشروع ( 54 ) ورأي المالكية والحنابلة ، يتفق مع القاعدة الشرعية التي تقول : (( إن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لاللافاظ والمباني )) فما دام القصد من التعاقد غير مشروع ، وتوصلنا إلي معرفة ذلك القصد عن طريق القران المصاحبة للتعاقد فينبغي القول ببطلان العقد يقول ابن القيم – رحمه الله -: (( إن صور العقود غير كافية في حلها وحصول أحكامها إلا إذا لم يقصد بها قصدا فاسدا وكل ما لو شرطه في العقد كان حراما فاسدا فقصده حرام (55)))         
ويقول الشاطبي – رحمه الله -: (( كل من ابتغي في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل ، فمن ابتغي في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل ( 56 )  )) 0

تاسعا : اختلافهم في بعض المبادئ اللغوية التي يتوقف عليها استنباط الأحكام من النصوص 0 ومن ذلك
( أ ) اختلافهم في دلالة العام ( 57 )  إذا لم يخصص ، هل هي دلالة قطعية – كما ذهب جمهور الحنفية – أو دلالة ظنية كما ذهب جمهور الفقهاء ؟ 0
( ب ) اختلافهم في الاحتجاج بمفهوم المخالفة – وهو حيث يكون المسكوت عنه مخالفا للمذ1كور في الحكم إثباتا ونفيا فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به ( 58 ) – في النصوص الشرعية من قراَن وسنة :
فذهب جمهور الفقهاء إلي أن مفهوم المخالفة حجة في النصوص الشرعية فإذا قُيد الحكم في النص الشرعي بوصف ، أو شرط أو غاية أو عدد فإنه يكون حجة بالقيد الذي قُيد به الحكم ، وتنتفي حجيته ويثبت نقيض الحكم إذا انتفي القيد 0
وذهب الحنفية إلي أن مفهوم المخالفة ليس حجة في النصوص الشرعية فإذا قيد الحكم في النص الشرعي بصفة أو شرط أو غاية أو عدد فأنه لا يكون حجة إلا في الواقعة التي ورد الحكم فيها مقيدا بهذا القيد وأما غيرها من الوقائع التي انتفي فيها القيد فلا يكون حجة فيها عن طريق إثبات نقيض الحكم المقيد ، بل يكون النص ساكتا عن بيان حكمها ، وحينئذ يبحث عن حكم لها وذلك بطريق النظر في الأدلة الشرعية والتي من بينها : أن الأصل في الأشياء الإباحة حتي يرد دليل التحريم 0

عاشراً : اختلافهم في الاحتجاج ببعض مصادر الفقه والاعتماد عليها في استنباط الأحكام الشرعية ومن ذلك :   
( أ ) إجماع أهل المدينة : فقد اتفق الجمهور علي أن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة علي من خالفهم ، ولا يعتمد عليه في استنباط الأحكام ، وإنما المعتمد عليه والحجة في استنباط الأحكام هو إجماع الأمة وذهب الإمام مالك إلي الاعتماد علي إجماع أهل المدينة في استنباط الأحكام ، وأنه حجة مثل إجماع الامة ( 59 ) لانه في نظرة عبارة عن رواية ألف عن ألف عن ألف حتي تصل إلي النبيr  0
( ب ) القياس ( 60  )  : فقد اتفق الجمهور علي أن القياس حجة شرعية ، وأنه في المرتبة الرابعة بعد الكتاب والسنة والإجماع وخالف في ذلك بعض الفرق الإسلامية كالشيعة ، وبعض المعتزلة ، وأهل الظاهر حيث ذهبوا إلي إنكار حجية القياس ( 61 )
( جـ ) الاستحسان ( 62 ) فقد اشتهر عن الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة ، الآخذ بالاستحسان كدليل من الأدلة الشرعية يستند إليه في معرفة الحكم الشرعي لبعض المسائل الجزئية ، مثل استثناء مسألة جزئية من حكم قاعدة عامة ( 63 ) وترجيح قياس خفي علي قياس ظاهر جلي نظراً لقوة تأثير القياس الخفي ومثاله : وقف الأراضي الزراعية ، فإنه يتبادر إلي الذهن قياسه علي البيع ، لان كلا منهما – أي الوقف والبيع – يترتب عليه خروج العين عن ملك صاحبها ومقتضي هذا القياس ألا يدخل حق المرور ، وحق الشرب ، وحق المسيل في الوقف إلا بالنص علي هذه الحقوق من الواقف ، كما هو الحكم في البيع ويمكن في نفس الوقت قياس هذا الوقف علي الإجارة ، لان كلا منهما يترتب عليه تمليك الانتفاع بالعين دون مالك العين نفسها ، ومقتضي هذا القياس أن تدخل هذه الحقوق في الوقف تبعا دون حاجة إلي النص عليها من الواقف كما هو الحكم في الإجارة غير أن هذا القياس خفي لا يتجه إليه الذهن أولا ولكنه أقوي أثرا ، ولذلك رجحه الفقهاء علي القياس الأول الجلي – وهو قياس الوقف علي البيع وذلك لان المقصود من الوقف هو انتفاع الموقوف عليهم بالعين الموقوفة ولا يتحقق هذا الانتفاع بالنسبة للأراضي الزراعية الا بالمرور والشرب والمسيل وسمي الفقهاء هذا الترجيح للقياس الخفي علي القياس الجلي استحسانا ، كما اشتهر عن الإمام الشافعي إنكار الاستحسان وعدم الاعتداد به كدليل شرعي يعتمد عليه في استنباط بعض الأحكام وقد نقل عنه قوله (( من استحسن فقد شرع )) أي وضع شرعا جديدا ( 64 ) وهذا غير جائز لان الشرع من الله تعالي وحده وهو الذي يضعه ثم يبلغه لعباده عن طريق رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام 0
والحق أن من يتتبع كلام الشافعي عن الاستحسان ، يجد أن الاستحسان الذي نفاه الشافعي وأنكره هو القول بالهوي والتشهي من غير سند شرعي ، وهذا من غير شك استحسان باطل باتفاق جميع الأئمة وهو يختلف كثيرا عن الاستحسان الذي جعله غيره من الأئمة دليلا يعتمد عليه في استنباط بعض الأحكام ، لان الاستحسان المعتبر عند هؤلاء الأئمة لابد أن يستند إلي دليل شرعي أقوي من الأصل المعدول عنه كما سبق بيانه 0
وإذا كان الاستحسان الذي قال به الأئمة الثلاثة – أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وأخذوا به كمصدر من مصادر الفقه الإسلامي ، ليس هو الاستحسان كما فهمه الشافعي وأنكره ، فهذا يعني أن الخلاف بينهم فيما يتعلق بالاستحسان هو خلاف لفظي لا حقيقي 0
( د ) سد الذرائع ( 65 )  : فقد اشتهر عن المالكية والحنابلة ، الاخذ بمبدأ سد الذرائع ولكن الواقع أن معظم الفقهاء يأخذون بهذا المبدأ وإن تفاوتوا في مقدار الاخذ به يقول ابن القيم موضحا هذا المبدأ وأنه أصل من أصول التشريع الاسلامي : (( لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها طرقها وأسبابها تابعة لها ومعتبرة بها ، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلي غاياتها وارتباطها بها ، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلي غايتها فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل 0 فإذا حرم الرب تعالي شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فانه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعاً من أن يقرب حماه ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمته تعالي وعلمه يأبي ذلك كل الاباء ( 66 ) )) 0
ثم يذكر ابن القيم بعد تسعة وتسعين دليلا من الكتاب والسنة وغيرهما علي إثبات مبدأ سد الذرائع وانه أصل من أصول الشريعة الذي تبني عليه كثير من الأحكام وفي نهاية ذكره لهذه الأدلة يقول : ( وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف ، فإنه – أي التكليف – أمر ونهي والأمر نوعان أحدهما مقصود لنفسه والثاني وسيلة إلي المقصود والنهي نوعان : أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه والثاني : ما يكون وسيلة إلي المفسدة فصار سد الذرائع إلي الحرام أحد أرباع الدين ( 67 ) )) 0
( هـ ) المصالح المرسلة ( 68 ) : حيث اختلف الفقهاء وعلماء الأصول في الاحتجاج بها علي ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : أنها ليست حجة مطلقا وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ( 69 ) 0
المذهب الثاني : أنها حجة مطلقا هو المشهور عن الإمام مالك t ( 70 )   0
المذهب الثالث : أنها حجة بشروط معينة وهي :
( أ ) أن تكون المصلحة ضرورية أي من إحدي الضروريات الخمس ، وهي حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال 0
( ب ) أن تكون قطعية : أي أن يكون حصولها أي المصلحة – مقطوعا به وليس مظنونا
( جـ ) أن تكون كليبة أي أن تكون موجبة لفائدة عامة للمسلمين ، فلا تخص جماعة معينة منهم 0
فإذا تحققت هذه الشروط الثلاثة اعتبرت مصلحة وكانت حجة ( 71 )  وإن تخلفت بها وهذا هو مذهب الإمام الغزالي ورجَّح البعض أن يكون هو مذهب الإمام مالك ( 72 )
( ز ) العرف : وعناه في اصطلاح الفقهاء : وما اعتاده الناس في معاملاتهم وساروا عليه واستقامت عليه أمورهم من قول أو فعل 0
وقد أخذ الحنفية والمالكية والشافعية بالعرف في الأمور التي لم يرد بها نص من الشارع حيث اعتمدوا عليه في استنباط كثير من الأحكام الفقهية إذا توفرت في هذا العرف الشروط الثلاثة الآتية :
1- ألا يخالف نصا من النصوص الشرعية المقطوع بها ، أو حكما من الأحكام الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تخضع لعادات الناس وأعرافهم 0    
2- أن يكون العرف مطرودا أو غالبا بمعني جريان الأمور عليه في جميع الأحوال أو معظمها فلا عبرة بالعرف الذي يجري في بعض الأحوال دون البعض الآخر وذلك لعدم اطراده أو غلبته ( 73 ) 0
3- أن يكون العرف نقانا لا متأخرا 0 فلا عبرة بالعرف الطارئ ولهذا كانت الدعوي والإقرار خاضعين للعرف السابق عليهما الذي كان سائدا وقت نشوء سببهما لأنهما إخبار بما تقدم فلا يقيدهما العرف المتأخر كذلك فإن الأحكام المتعلقة بالوقف تخضع للعرف الذي كان سائدا وقت إنشاء هذا الوقف ( 74 )
( جـ ) قول الصحابي ( 75 ) : فقد اتفق الفقهاء علي أن قول الصحابي في الأمور التي لا مجال فيها للاجتهاد والرأي يعتبر في حكم السنة المرفوعة إلي النبيr 0
أما قوله في المسائل الاجتهادية : فقد اتفق الفقهاء علي أنه لا يكون حجة علي غيره من الصحابة المجتهدين ان الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا علي جواز مخالفة بعضهم في الاجتهاد فلو كان قول الصحابي حجة علي الصحابة الآخرين لما جاز أن يختلفوا فيما بينهم في المسألة الواحدة لكن الثابت أنهم اختلفوا في كثر من المسائل مما يدل علي أن قول كل منهم ليس بحجة علي الآخرين 0
وأمام بالنسبة لغير الصحابة من التابعين ومن بعدهم من الأئمة والمجتهدين : فقد اختلف الفقهاء في كون قول الصحابي حجة عليهم – في المسائل الاجتهادية – إلي المذاهب الآتية ( 76 )
المذهب الأول : أن قوله حجة مطلقا وهو مذهب مالك وأبي بكر الرازي من الحنفية والشافعي في أحد قوليه وأحمد بن حنبل في إحدي الرويات عنه 0
المذهب الثاني : أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا 0
المذهب الثالث : أن الحجة في قول أبي بكر وعمر دون غيرهما من الصحابة 0
المذهب الرابع : أنه ليس بحجة مطلقا وهو مذهب الاشاعرة والمعتزلة والشافعي في قوله الآخر وأحمد بن حنبل في الرواية الاخري عنه وهو المختار عند الإمام الغزالي والاَمدي
( ط ) شرع من قبلنا : فقد اختلف الفقهاء في الشرائع السابقة علي شريعة محمد r والتي لم ننه عنها أو نؤمر بإتباعها ، هل هي لازمة لنا وحجة علينا ، أم لا ؟
فذهب بعض الفقهاء إلي القول بلزومها لنا ما لم ننه عنها أو يرد ما يدل علي نسخها في الكتاب أو السنة 0
وذهب البعض الآخر من الفقهاء إلي القول بعدم لزومها لنا ولا يجوز العمل بشئ موافق لبعضها فنعمل به ائتمارا لنبينا  r وليس إتباعا للشرائع السابقة وهو المختار عند ابن حزم الظاهري ، والإمام الغزالي والاَمدي ( 77 )    
( ي ) الاستصحاب : ومعناه عند الأصوليين : استدامة إثبات أو نفي ما كان منفيا ( 78)
أو هو : الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء علي ثبوته في الزمان الأول (79)
وقد اختلف الفقهاء في الآخذ بالاستصحاب كدليل يعتمد عليه في الاحتجاج ببعض الأحكام ولزومها ( 80 ) فذهب الشافعية وبعض الحنفية والحنابلة وأكثر المالكية إلي الأخذ به أي الاستصحاب – كدليل يعتمد عليه سواء في النفي أو الإثبات حيث يستندون إليه في بقاء الحقوق الثابتة كما يستندون إليه في إثبات حقوق جديدة لم تكن موجودة من قبل فالمفقود – مثلا – يعتبر حيا إلي أن يقوم الدليل علي موته ، استصحابا للحال التي كان عليها قبل الفقد ولذلك تكون له كل أحكام الأحياء فيرث من غيره وتثبت له الوصية ويستحق في الوقف إن كان من المستحقين فيه كما تبقي املاكه علي ذمته  فلا يرثها غيره وتبقي زوجته في عصمته فلا يحل لها أن تتزوج بغيره إلي أن يثبت موته بالبينة أو يحكم القاضي باعتباره ميتا بعد مضي مدة معينة 0
وذهب بعض الحنفية إلي أن الاستصحاب حجة للدفع أي للنفي لا للإثبات ومعني هذا أن بقاء ما كان علي ما كان حجة لدفع ما يخافه حتي يقوم دليل يثبت ما يخالفه وليس حجة لإثبات أمر غير ثابت ويظهر ذلك بالنسبة للمفقود فإن حياته السابقة قبل الفقد تستصحب لبقاء ملكه لماله ودفع إرث غيره له ولا تصلح لان تثبت له الملك ابتداء في مال مورثه إذا مات ففي الحالة الأولي : دفع الاستصحاب إرث الغير من المفقود وفي الثانية : لا يثبت الاستصحاب إرثه من غيره 0
ملاحظات علي اختلاف الفقهاء 0
بعد عرضنا لأسباب اختلاف الفقهاء نلاحظ الأمور الآتية :
أولا: أن اختلافهم – رضي الله عنهم لم يكن ناشئا عن هوي في نفوسهم أو لتحقيق رغبات شخصية أو منافع مادية وإنما كان ناشئا عن دليل استند إليه كل منهم فيما ذهب إليه أو بناء علي فهم معين اقتنع به كل منهم واعتمد عليه ما دام هذا الفهم لا يتعارض مع كتاب الله تعالي وسنة نبيه r وما اجتمعت عليه الآمة وهذا ما يلاحظه كل قارئ لأسباب اختلافهم 0
ثانيا : أن الاختلاف في ذاته ليس عيبا إذا كان قائما علي دليل وفهم صحيح ( 81 ) فقد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في كثر من اجتهادهم مع قربهم من زمن النبوة ونزول الوحي علي محمد r  ( 82 ) الذي فتح لهم الباب للاختلاف وتعدد الآراء ، بل واعتبر اختلاف الأمة رحمة من الله تعالي ، حيث يقول r   (( اختلاف أمتي رحمة )) ومظهر الرحمة في الاختلاف هو وجود أكثر من رأي في المسألة وأكثر من حل للقضية الواحدة فيتخير المسلم أو ولي الأمر منها ما يحقق مصلحة أكثر من غيره وما يكون أقرب إلي كتاب الله تعالي وسنة نبيه r  وما أجمعت عليه الأمة 0
ثالثا: أن الفقهاء وأئمة المذاهب حين يختلفون في قضية أو مسألة معينة ويكون لكل منهم رأيه الخاص به لم يكونوا يتعصبون لأرائهم بل وكانوا يحذرون تلاميذهم من التعصب لأرائهم أو تقديس أقوالهم فقد روي عن الإمام أبي حنيفة قوله : (( رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب )) كما روي عن الإمام مالك قوله : (( كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا قول صاحب هذه الروضه )) يقصد الرسول r  وروي عن الإمام الشافعي قوله (( إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط )) أي جانبه وروي عن الإمام أحمد قوله (( هذا كتاب الله وهذه سنة رسول الله ولا مقال لأحد بعد الله ورسوله )) 0
وجاء في كتاب (( حجة الله البالغة )) للدهلوي ( 83 ) نقلا عن الإمام السيوطي : أن الخليفة المنصور لما حج والتقي بالإمام مالك قال له : عزمت أن آمر بكتبك هذه التي صنفتها فتنسخ ثم ابعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وأمرهم بأن يعلموا بما فيها ولا يتعدوه إلي غيره فقال مالك : يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا ، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا الحديث ورووا روايات فأخذ كل قوم بما سبق إليهم من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار كل بلد منهم لأنفسهم 0
وقيل : إن الذي فعل ذلك مع الإمام مالك هو هارون الرشيد وأنه شاور مالكا في أن يعلق كتاب الموطأ في الكعبة ويحمل الناس علي العمل بما فيه فرفض مالك ذلك وربما يكون هذا الأمر قد حدث مرتين : مرة من الخليفة المنصور ومرة أخري من الخليفة هارون الرشيد ( 84 )     
وأيا كان الذي فعل ذلك وطلبه من الإمام مالك فهو يدل علي تواضع مالك وعدم تعصبه لآرائه وتقديره لآراء غيره من الفقهاء حتي وإن اختلف مع آرائه
وهكذا كان مسلك الفقهاء والأئمة من السلف الصالح – رضي الله عنهم – عندما كانوا يختلفون في حكم القضايا والمسائل الاجتهادية يقدر بعضهم بعضا ولا يتعصبون لآرائهم بل يعملون بما اتفقوا عليه ويعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه 0
      
  
       
        

يوجد تعليق واحد على هذه التدوينه

  1. مؤسَّسة الدُّرر السَّنية: مؤسَّسةٌ عِلميَّة، دعويَّة، إعلاميَّة، وقفيَّة.
    لها غايةٌ عظيمة، ورؤيةٌ مستقبليَّة، ورسالةٌ واضحة، وهدفٌ محـدَّد.
    الغاية:
    الحِفاظ على السُّنة وميراث النبوَّة (بمفهومه الشامل).
    الموسوعة الحديثية

اترك تعليقك